السيد الطباطبائي
22
الإنسان والعقيدة
فالآية الثانية فرع للأولى ، فهو إكرام ذاتيّ لهم . هذا وليس في أعمالهم إلّا حيثيّة الأمر ؛ إذ هو المصحّح للثناء عليهم وإكرامهم منه سبحانه ، وإلّا ففي كلّ فعل من كلّ فاعل أمر منه سبحانه ، كما يستفاد من قوله سبحانه : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 1 » . وقوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الآيات « 2 » . فتخصيصه سبحانه عملهم بالذكر بأنّه بأمره سبحانه ، ليس إلّا لأنّ عملهم لا جهة فيه إلّا جهة الأمر ، وكذلك ذواتهم ، ويشير إليه بآيات أخر ، كقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ « 3 » . وقوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ « 4 » . وقوله : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً « 5 » ، إلى غير ذلك من الآيات . وأيضا فإنّ الملائكة لم تقل : أتجعل فيها من يفسد . . . الخ ، ولم يستفد صدور هذه المعاصي إلّا بالاستفادة من قوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 6 » أنّ الخلافة ، وهي قيام الشيء مقام آخر ونيابته عنه ، تقتضي اتّصاف الخليفة بأوصاف الحقّ سبحانه ، وهي محمودة مقدّسة ، لا يصحّ في قباله دعواهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، فلم يبق للاستناد إلّا الجعل في الأرض ، فمن هنا فهموا
--> ( 1 ) سورة غافر : الآية 62 . ( 2 ) سورة يس : الآيات 82 . ( 3 ) سورة الإسراء : الآية 84 . ( 4 ) سورة الأنبياء : الآية 104 . ( 5 ) سورة الأعراف : الآية 58 . ( 6 ) سورة البقرة : الآية 30 .